ابن عجيبة
202
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ولما تبين عناده قال له تعالى : فَاهْبِطْ مِنْها أي : من السماء أو من الجنة ، فَما يَكُونُ لَكَ أي : فما يصح لك أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها وتعصى ؛ فإنها موطن الخاشع المطيع ، وفيه دليل على أن الكبر لا يليق بأهل الجنة ، فإنه تعالى إنما أنزله وأهبطه ؛ لتكبره لا لمجرد عصيانه ، فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ أي : ممن أهانه اللّه لتكبره . قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من تواضع للّه رفعه اللّه ، ومن تكبّر وضعه اللّه » « 1 » . ولما تحقق إبليس أنه مطرود ، سأل الإمهال فقال : أَنْظِرْنِي أي : أخرنى ، إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ فلا تمتنى ، ولا تعجل عقوبتي ، قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ؛ يقتضى أنه أجابه إلى ما سأل ، لكنه محمول على ما في الآية الأخرى : إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ « 2 » ؛ وهو نفخ الصور النفخة الأولى ، قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي أي : بعد أن أمهلتنى لأجتهدن في إغوائهم بأي طريق يمكنني ، بسبب إغوائك إياي ، واللّه لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ، وهو الطريق الذي يوصلهم إليك ، فأقعد فيه ، وأردهم عنه ، ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ ؛ فآتيهم من الجهات الأربع ، وذلك عبارة عن تسلطه على بني آدم كيفما أمكنه . قال ابن عباس : مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ : الدنيا يزيّنها لهم ، وَمِنْ خَلْفِهِمْ : الآخرة ينسيها لهم ، ( وعن أيمانهم ) : الحسنات يثبطهم عنها ، وَعَنْ شَمائِلِهِمْ : السيئات يزينها في أعينهم . ه . ولم يجعل له سبيلا من فوقهم ، ولا من تحت أرجلهم ؛ لأن الرحمة تنزل من أعلى ، فلم يحل بينهم وبينها ، والإتيان من تحت موحش ، وأيضا : السفليات محل للتواضع والخشوع ، فتكثر فيه الأنوار فيحترق بها . وقال الشيخ أبو العباس المرسى رضى اللّه عنه : ( لأنّ فوق : التوحيد ، وتحت : الإسلام ، ولا يمكن أن يأتي من توحيد ولا إسلام ) . ثم قال تعالى : وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ ؛ مطيعين ، قال بعض الصوفية : ( لو كان ثم مقام أعظم من الشكر لذكره إبليس ) ؛ فالشكر أعظم المقامات ، وهو الطريق المستقيم الذي قعد عليه إبليس ، والشكر : هو ألا يعصى اللّه بنعمه ، أو : صرف الجوارح كلها في طاعة اللّه ، أو رؤية المنعم في النعمة . وإنما قال إبليس ذلك ؛ ظنّا لقوله : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ « 3 » ، وسيأتي في الإشارة حقيقته . قالَ تعالى لإبليس : اخْرُجْ مِنْها ؛ من السماء أو الجنة ، مَذْؤُماً أي : مذموما ، من ذامه ، أي : ذمه ، مَدْحُوراً أي : مطرودا . واللّه لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ في الكفر لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ أي : منك وممن تبعك .
--> ( 1 ) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ( الباب 57 ) من حديث سيدنا عمر بن الخطاب - رضى اللّه عنه - . ( 2 ) الآية 38 من سورة الحجر . ( 3 ) من الآية 20 من سورة سبأ .